المقاومة تحطم الأساطير       من الشعور إلى العمل       استفتاء       الآن تهزم الإستراتيجية الصهيونية الرئيسة       الصهاينة العرب       نحن والحلقة المفرغة       أسطورة الكيان الصهيوني الذي لا يقهر       جفاف اللغة       ما هو التاريخ؟       التثقيف الديني: تأملات في المكوِّنات والصفات والتطلعات    

القائمة الرئيسية


محرك البحث





بحث متقدم


أهم المقالات

  • المقاومة تحطم الأساطير
  • من الشعور إلى العمل
  • استفتاء
  • الآن تهزم الإستراتيجية الصهيونية الرئيسة
  • الصهاينة العرب
  • نحن والحلقة المفرغة
  • أسطورة الكيان الصهيوني الذي لا يقهر
  • جفاف اللغة
  • ما هو التاريخ؟
  • التثقيف الديني: تأملات في المكوِّنات والصفات والتطلعات
  • برنامج المؤتمر السابع
  • دعوة لتقديم أوراق للمؤتمر السابع
  • استعمال الخيول في الأمثال الشعبية
  • الأمثال الشعبية
  • عثمان لوصيف ...خطاب ملغم بتمائم " الأجوبة "..بقلم فضيلة معيرش
  • رحيل الحاجة بهية... نموذج التضحية والعطاء!
  • الشاعرة زبيدة بشير ....أميرة الشعر العربي المنسية ...بين تونس والجزائر
  • من وحي الأحداث في مصر (1)
  • وترجل الفارس أبو السكر!
  • تقديم كتاب "زهرة زعتر"

  • تسجيل الدخول



    المستخدم
    كلمة المرور

    إرسال البيانات؟
    تفعيل الاشتراك




    نبيل علقم » المحتوى » مقالات » المراثي


    سميحة خليل . . كما عرفت!


    سميحة خليل . . كما عرفت!

    (نشر المقال في "التراث والمجتمع" العدد 43 ربيع 2006)

         عرفت المرحومة "أم خليل" لمدة ربع قرن اعتباراً من عام 1974 وحتى رحيلها عام 1999. وعملت معها لمدة اثني عشر عاماً 1974-1986. بدأت معرفتي بسميحة خليل  وبجمعية إنعاش الأسرة حينما انضممت عضواً إلى لجنة الأبحاث الاجتماعية والتراث الشعبي الفلسطيني ثم أميناً لسرّ اللجنة ومحرراً لمجلتها "التراث والمجتمع". وتوسعت علاقتي مع أم خليل مع السنين حتى أنها كانت تستشيرني (كما تستشير كثيرين غيري)  وتشركني في الكثير من نشاطات الجمعية. وهذا القرب منها جعلني بمثابة أحد أبنائها، إذ كثيراً ما كانت تقول لي أنني قريب منها قرابة ابنها ساجي الذي اعتقلته سلطات الاحتلال الإسرائيلي لمدة تزيد عن سبعة أعوام ثم نفته خارج الوطن بعدما أنهى مدّة محكوميته. وبالنسبة لي كانت أم خليل ليست أمّاً فقط، وإنما أيضاً، نموذجاً ومثلاً أعلى في الكثير من الصفات المطلوبة في قياداتنا السياسية والمجتمعية. كنت أعمل معلماً، وكنت أعمل مع الجمعية ثلاثة أيام على الأقل بعد دوامي المدرسي الذي يتنهي مبكراً في هذه الأيام.


    وكنت أجتمع مع أم خليل ثلاث مرات على الأقل في الأسبوع في الجمعية غالباً، وفي بيتها أحياناً وبخاصة إذا تأخّرْتُ عن موعد مغادرتها الجمعية عند الساعة الواحدة ظهراً، أو لبحث مسألة لا يسعفها وقتها في الجمعية لمنحه فرصة كافية لا تتوافر لها في أثناء انهماكها بالعمل اليومي مع مختلف الفئات التي تطرق باب الجمعية لأسباب كثيرة. وهذا القرب منها يجعل أمر كتابة مقالة من عدة صفحات صعباً للغاية نظراً لطول الفترة الزمنية التي عرفتها فيها من جهة، وللنمو المتعاظم والمدهش لنشاطات الجمعية سواء في تنوع هذه النشاطات أو في حجمها من جهة أخرى. ولذا فإن مخاطر كتابة مقالة كمقالتي هذه، تحاصر كاتبها، لأن المقالة لن تفي أم خليل حقّها كامرأة وإنسانة، ومناضلة وسياسية، وإدارية وقيادية، بتفاصيل كل دور من هذه الأدوار التي شكلت شخصية أم خليل التي قدّمها، عام 1998، عريفُ حفلٍ للتضامن مع الشعب العراقي في أثناء حصاره بأنها "السيدة الأولى في فلسطين"، وهي بحق كانت كذلك، ليس بسبب صفاتها فقط، إذ يمكن أن نجد شخصيات من هذا النوع في مجتمعنا الفلسطيني، ولكن لما تركته هذه الصفات من تأثير في محيطها المحلي، والوطني في الأرض المحتلة وخارجها. ولكن هذه الصعوبة وهذه المخاطرة، لا تعفيني من الحديث عن معرفتي بها، حتى لو كان الحديث مقتصراً على أبرز معالم هذه الشخصية الفذّة، كما عرفتها في أكثر سنوات الجمعية نمواً وعطاءً، وفي أكثر سنوات عمري اندفاعاً وعطاءً في حقل التراث الشعبي الفلسطيني، حيث كنت أجد منها الدعم والتشجيع. وقبل الحديث عن جوانب مختلفة في شخصية أم خليل، ومن أجل هذا الحديث، أبدأ التعريف بلجنة الأبحاث الاجتماعية والتراث الشعبي الفلسطيني، سبب معرفتي بأم خليل وعلاقتي بها.

         بمبادرة من أم خليل تكونت لجنة الأبحاث الاجتماعية والتراث الشعبي الفلسطيني عام 1972، وأصدرت اللجنة أول دراسة في التراث الشعبي باسم "قرية ترمسعيا-دراسة في التراث الشعبي" عام 1973. وفي العام 1974 صدر العدد الأول من المجلة الفصلية "التراث والمجتمع" لتعنى بدراسات التراث الشعبي الفلسطيني، وفي هذا العام انضممتُ للجنة التراث. كانت مقرات الجمعية في هذه الفترة مبعثرة بين عدد من الغرف والمباني المستأجرة، فمصنع للقمصان في مبنى، والإدارة ومصنع النسيج والخياطة في مبنى، والروضة في مبنى ثالث، أما لجنة الأبحاث والمكتبة ونواة متحف التراث الشعبي فكانت تشغل مع صالون التجميل مبنى آخر مكوناً من عدة غرف. وعلى الرغم من تواضع المباني، وقلة عدد الموظفات والموظفين، فإن العمل في هذه المراكز كان عظيماًً بسسب غلبة روح التطوع على أعضاء الهيئة الإدارية وجميع المنتسبين بما في ذلك الموظفات والموظفين. وبقيت هذه المباني المستأجرة متفرقة حتى تم نقل جميع الأقسام وإضافة أقسام جديدة عام 1977، حيث بدأت عملية تنظيم الأقسام بصورة معقولة، فاستقلت لجنة الأبحاث في مقر مستقل في الطابق الثاني من البناية الجديدة، إضافة إلى إنشاء متحف التراث الشعبي في الطابق الأول من البناية.

         في صيف عام 1975 اقترحت وصديقي عضو اللجنة عمر حمدان القيام بدراسة عن الزجل والزجالين (الشعراء الشعبيين/ الحدّاية) الفلسطينيين، وانضم إلينا صديقانا وليد ربيع وسلامة خريوش في تنفيذ المشروع مغتنمين فرصة العطلة الصيفية بعد أن رحبت أم خليل بالفكرة ودعمتنا في تنفيذها، فكنا نذهب إلى جنين وقراها ثلاث مرات في الأسبوع لنجري مقابلات مع الزجالين. وفي أثناء العمل نمت لدينا فكرة إقامة مهرجان للزجل وذلك بعد أن اكتشفنا عوامل نجاح مثل هذا المهرجان. ومرة أخرى تحمست أم خليل للفكرة وبدأنا العمل بتنفيذها، وأقامت جمعية إنعاش الأسرة في حديقة بلدية البيرة، أول مهرجان جماهيري فلسطيني بعد الاحتلال الإسرائيلي يوم 25/8/1975. ومن خلال الإعداد لهذا المهرجان وإقامته، ثم تقييمه، تعرفتُ على طاقات أم خليل وقدراتها في التنظيم والحشد والقيادة وتحدي الاحتلال ومقاومته، وهو ما سأبين بعض وجوهه في الصفحات التالية.

        استمرت اللجنة في الأعوام الثلاثة الأولى تعمل بجدٍّ ونشاط، ثم أخذ بعض الأعضاء يفقدون حماسهم واندفاعهم، وتزايد عددهم شهراً بعد شهر، حتى أنه في العام 1976 تكرر غياب أغلب أعضاء اللجنة عن الاجتماعات، ولكن أم خليل كانت مصممة على الاستمرار، لمعرفتها بأهمية التراث الشعبي في التعبير عن الهوية الفلسطينية المستهدفة من الاحتلال الاسرائيلي، وقالت لي يوماً حينما لم يحضر أحد غيري وغيرها وبعض عضوات الهيئة الإدارية في الجمعية: سنستمر حتى لو بقيت أنا وانت وأعضاء الجمعية! وفي العام نفسه عرضت عليها أن أكتب كتاباً يعرّف بالفولكلور وأهميته بصورة عامة وللفلسطينيين بصورة خاصة، ورحبت بالفكرة وتبنتها، فبدأت أكتب كتابي "مدخل لدراسة الفولكلور"،  وتوليت تحرير المجلة مع من بقي من أعضاء لجنة التراث وهم: عمر حمدان، وليد ربيع عبدالعزيز أبو هدبا. وتصادف حينما أنهيت الكتاب عودة المرحوم الدكتور عبد اللطيف البرغوثي من الخارج ليعمل في جامعة بيرزيت، وطرقت بابه على غير معرفة، وقرأ مسودة الكتاب، وأبدى لي ملاحظاته، فعملت بها، وشرحت له أوضاع اللجنة ودعوته للانضمام إلى اللجنة، فرحّب بالدعوة، ودعا صديقه الدكتور شريف كناعنة الاستاذ في جامعة بير زيت للانضمام للجنة أيضاً، كما دعوت الأستاذ ناجي عبدالجبار الذي كان يدرّس في الجامعة ذاتها، وأخذت اللجنة تتوسع بانضمام متخصصين ومهتمين من ذوي الكفاءات العلمية، وكانت أم خليل سعيدة ومتحمسة لإحياء اللجنة التي ضعفت وكادت أن تتلاشى. ولولا إصرارها على الاستمرار في الاهتمام بالتراث الشعبي، لما انبعثت حركة الاهتمام بالتراث الشعبي الفلسطيني في داخل الأرض المحتلة وخارجها بالصورة المعروفة لدى المراقبين والدارسين، أو على الأقل لتأخرت كثيراً، وربما أخذت منحنيات أخرى.

          لقد ازداد نشاط اللجنة بعد ذلك، وأم خليل تقترح وتتابع كل صغيرة وكبيرة، فقد نشرت اللجنة كتابي المذكور، وأقامت مهرجان "العرس الفلسطيني" عام 1978، ومهرجان الختان عام 1979 في عام الطفل. وتكونت فرقة للدبكة من فتيات الجمعية كانت تشارك في أغلب النشاطات والمهرجانات في الضفة الغربية.

          في المجال الأكاديمي استمر نشر الدراسات، فقد صدرت قائمة من الكتب كان أولها كتابين اشترك فيهما عدد من أعضاء اللجنة وهما: الملابس الشعبية الفلسطينية، الإنجاب والطفولة-دراسة في الثقافة والمجتمع الفلسطيني، واستمرت مجلة التراث والمجتمع في الصدور رغم معيقات الاحتلال. ونشط أعضاء اللجنة في إلقاء المحاضرات وإقامة الندوات والكتابة في الصحف والاشتراك في المؤتمرات المحلية والعالمية. وكانت أم خليل مع كل عمل ونشاط، تتابع التفاصيل وتدعم الجهود بغبطة وفرح. ولولا جهودها لما أنجزت لجنة الأبحاث هذه الإنجازات الكبيرة، ولما انطلقت الحركة الفولكلورية الفلسطينية بالسرعة وبالحجم، وبالوعي بقيمة التراث وأهميته في المعركة مع الاحتلال، فقد كانت أم خليل وكانت الجمعية التي ترأسها ولجنة الأبحاث الاجتماعية والتراث الشعبي الفلسطيني التي أسستها، ليست نقطة انطلاقة حركة الاهتمام بالتراث الشعبي الفلسطيني فقط، وإنما كانت، وما زالت، الجسم الأكثر فعالية في هذه الحركة أيضاً.

         أعود الآن للحديث عن شخصية أم خليل. وجوانب هذه الشخصية كثيرة منها: الإنساني والنضالي والوطني والإداري والمعرفي والقيادي. وأدرك مدى صعوبة الحديث عن كافة هذه الجوانب لتعددها من جهة، وتشابكها من جهة أخرى إذ لا يمكن فصلها عن بعضها البعض فصلاً ميكانيكياً لأنها تشكل في النهاية وحدة واحدة هي "أم خليل". ويمكن أن نلاحظ الكثير من ملامح شخصية أم خليل في خطاباتها، وفي تصديرها لمنشورات الجمعية وفي ندوات الجمعية  وفي زجلها الذي كانت تكتبه ليؤديه أطفال الجمعية في المهرجانات والاحتفالات الكثيرة التي تقيمها الجمعية في كافة المناسبات الوطنية والاجتماعية. وقد وجدت بين أوراقي الرسالة التالية التي وجّهتها أم خليل بتاريخ 10/9/1981 إلى الباحثات الاجتماعيات المكلفات بتقديم تقارير عن الطلبة الذين تقدموا بطلبات للمساعدة هذا نصّها:

     "أخواتي وبناتي الباحثات العزيزات

         تحية فلسطينية وبعد،

    أرجو أن تسمحوا لي بأن ألفت انتباهكم لما يلي:

    1- عدم وعد أي طالب بالمساعدة حيث أننا سنختار من بين 85 طالباً 35 طالباً فقط ممن هم أسوأهم حالاً، ونكتفي بأن يقال لهم أن اللجنة العامة للمساعدات الطلابية ستقرر مساعدتك ومقدارها وستبلغ كتابياً في أقرب وقت ممكن.

    2- أن يكون البحث الاجتماعي لكل طالب دقيقاً جداً، وأهم فقرة بالبحث هي رأي الباحثة وملاحظاتها التي ستقنع بها اللجنة العامة للمساعدة أو عدمها.

    3- أرجو أن تتم دراسة شاملة للعائلة ككل، فمن الممكن أن تكون إحدى البنات قادرة على أن تطرز للجمعية أو تدخل إحدى الصفوف المهنية عندنا أو صفوف مكافحة الأمية. ولفت الانتباه للنظافة واستغلال الأرض لزراعة بسيطة كالنعنع أو الملوخية أو غيرها أو عمل صناعات ريفية مثل صواني القش أو الفخار أو تربية الدواجن بصورة مصغرة أو أي شيء آخر ونحن نسوّق لهم. وبحث جميع مشاكلهم حتى نحلها لهم، وأرجو أن يكون لفت الانتباه بصورة لا تجرح كرامتهم بل تشجعهم وترفع من معنوياتهم، وأرجو كذلك أن نلاحظ إن كان أحد أفراد العائلة معتقلاً أو شهيداً أو متضرراً لنعمل لهم مساعدة عن طريق مشروع التبني.

         ستعتمد اللجنةعلى رأي الباحثات فلتكن تقاريركن عادلة حتى يعطى كل ذي حق حقه حيث يعتمد مستقبل هؤلاء الطلاب على بحثكن العادل.

                          ولكل منكن شكري وتقديري

                                                                   أختكم

                                                                رئيسة الجمعية

                                                             سميحة سلامة خليل

          وعلى الرغم من بساطة الرسالة في تعبيرها وبلاغتها، ولكنها تحمل بعض ملامح شخصيتها. فهي تدعو إلى العدل والعمل والاعتماد على الذات والتعلم والصدق ومساعدة من يستحق المساعدة ورعاية المتضررين من الاحتلال كعائلات الشهداء والمعتقلين. وأعتقد أن مفتاح شخصية أم خليل مرتبط بقيمتي العدل والظلم، فقد أثرت عليها نكبة الفلسطينيين عام 1948 وما رافقها من اقتلاع للفلسطينيين وتهجيرهم وانقطاع أفراد العائلة الواحدة عن بعضها البعض، بما في ذلك عائلتها نفسها، فتراكمت كراهيتها للظلم وإيمانها بالعدل. وجاءت هزيمة عام 1967، لتفجّر هذا التراكم على شكل عمل وطني واجتماعي كبير عنوانه جمعية إنعاش الأسرة، ورأسه أم خليل، وسداه ولحمته موظفات وموظفون، ولجان ومتطوعون، تجاوز تأثيره جمعية إنعاش الأسرة ليمتد على طول الوطن وعرضه، بل ليصل إلى خارج فلسطين من خلال العلاقات التي أنشأتها الجمعية مع فلسطينيين وعرب وأصدقاء من أقطار عربية وأجنبية، عن طريق مشاريع التبني، ولجان الجمعية في الخارج، ووفود صحفية وتضامنية كثيرة. وكان العمل الوطني هو محور شخصية أم خليل، وكل نشاط اجتماعي أو تعليمي أو مهني أو تثقيفي إنما كان لدعم العمل الوطني أو من أجله، فمشروع تبني أطفال الشهداء والمعتقلين كان لرعاية أسر المتضررين من الاحتلال، وأقسام التأهيل السنوية كانت من أجل إيجاد فرص عمل للمرأة الفلسطينية خطّ الدفاع الحقيقي عن الأسرة، والاحتفالات والمهرجانات كانت لخدمة غرض التثقيف الوطني، ولجنة التراث الشعبي كانت للدفاع عن الهوية الفلسطينية، وهكذا في سائر النشاطات. ولا أريد الحديث عن الوثائق، إذ يمكن أن يجدها القارئ في كتاب "مناضلة من فلسطين" الذي أشرت إليه، وفي سائر منشورات ووثائق جمعية إنعاش الأسرة. وسأتحدث بدلاً من ذلك عن مواقف كنت جزءاً منها أو شاهداً عليها.

          في صيف عام 1975، وفي أثناء مقابلاتنا مع الزجالين في جنين وقراها، امتلكت الجمعية حافلة صغيرة لنقل أطفال الروضة ولسائر نشاطات الجمعية. ووضعت أم خليل السيارة تحت تصرفنا لاستعمالها في حركتنا إلى جنين وقراها. وفي إحدى المرات رافقتنا أم خليل وعدد من أعضاء الهيئة الإدارية للقيام بأعمال للجمعية في مدينة نابلس. وحينما أردنا العودة من جنين، إذا باثنين من شرطة جنين مكلفين من قبل سلطات الاحتلال بنقل معتقل (غير أمني)  أقنعا السائق بحملهما وإياه إلى رام الله. وامتعضنا ولكننا لم نعترض أو نرفض نقلهما بسيارة الجمعية لأننا اعتبرنا أن السائق هو المسؤول. وحينما وصلنا نابلس حيث ستعود معنا أم خليل وأعضاء الجمعية، رأت الشرطيين، فغضبت بشدة على السائق وعلينا! وقال لها أحد الشرطيين: لماذا كل هذا الغضب؟ ألسنا فلسطينيين، فقالت: فلسطينيون حينما لا يكون على رؤوسكم شعار الاحتلال (النجمة السداسية الموجودة على طاقية الشرطي)، ورفضت أن تعود بالسيارة، بل استأجرت سيارة أعادتها ورفيقاتها إلى رام الله، وقد حدثت الحادثة في وقت كان وجود الشرطة من الفلسطينيين قد صار حقيقة واقعة على الأرض، ومع ذلك كانت أم خليل ترفض كل ما هو ناتج عن الاحتلال أو يعمل بإمرته!

         حينما تكونت لجنة التوجيه الوطني بعد الانتخابات البلدية عام 1976، كانت أم خليل المرأة الوحيدة من بين أعضائها، وقادت هذه اللجنة الحركة الوطنية الفلسطينية في الأرض المحتلة حتى حلّت سلطات الاحتلال اللجنة، وقمعت أعضاءها بوسائل كثيرة منها محاولة اغتيال بسام الشكعة وكريم خلف وإبراهيم الطويل رؤساء بلديات نابلس ورام الله والبيرة، ثم إقالة البلديات وإبعاد بعض أعضاء اللجنة أو اعتقالهم أو فرض الإقامة الجبرية عليهم. وقد فرضت الإقامة الجبرية على أم خليل لفترة طويلة بسبب نشاطها في هذه اللجنة وبسبب نشاط الجمعية وقد اتخذت سلطات الاحتلال إجراءات كثيرة ضدّها.

         ومن بين أعمال لجنة التوجيه الوطني نشرها "تقرير حول أوضاع المعتقلين الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية" بمناسبة يوم التضامن مع السجين الفلسطيني في 17/4/1980. ولهذا التقرير قصة، فقد كانت أم خليل ذات عقل وثائقي، ويبدو ذلك من اهتمامها الشديد بكل ورقة أو صورة أو قصاصة صحيفة أو نشرة أو معلومة أو كتاب. وقد كانت أولى أعمالها بعد الاحتلال عام 1968 المساهمة والإشراف على مخطوطة مصورة بعنوان "مأساتنا" وثّقت فيه قصص جرائم الاحتلال الإسرائيلي وإرهابه عند احتلاله الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس وبعدها حتى عام 1968 في أغلب مدن وقرى فلسطين. وكانت تحتفظ بنسخة من هذه المخطوطة في أماكن سرية في بيتها أو بيوت بعض أعضاء الهيئة الإدارية خوفاً من عثور جيش الاحتلال عليها. وهي من الوثائق النادرة، إن لم تكن الوحيدة، التي دونت مثل هذه الجرائم في تلك الفترة في غياب الصحف أو أية وسيلة إعلامية أخرى. وبعد عدة سنوات كلّفت أم خليل إحدى الموظفات بقصّ الأخبار والتعليقات من الصحف، ثم تقوم الموظفة نفسها بلصق القصاصات على أوراق دفاتر من القطع الكبير. وكلفتني عام 1979 أن أدرس هذه الوثائق وأقترح طريقة لتصنيفها وأشرف على قسم الوثائق الذي أخذ يتوسع بسرعة كبيرة، بعدما جمعنا وأضفنا إليه كل أنواع الوثائق المتوافرة أو الجديدة. وبعد إنشاء مركز الوثائق اتفقت أم خليل مع الأخ حسين غيث المتخصص في علم المكتبات أن يشرف عليه بعد أن تحول إلى قسم مهم من نشاطات الجمعية، وحان موعد خروجه من دائرة الاهتمام إلى دائرة  التخصص.                      

         وحينما أرادت لجنة التوجيه الوطني نشر التقرير المذكور بسرعة، إذ لم يتبق سوى أيام قليلة من موعد الاحتفال بيوم التضامن مع السجين، كانت أم خليل وجمعية إنعاش الأسرة الجهة المؤهلة لكتابة التقرير بسبب وجود هذا الأرشيف. وطلبت أم خليل منّي أن أعدّ هذا التقرير وأن أستعين بالأرشيف الوثائقي المذكور. وصدر التقرير باسم لجنة التوجيه الوطني، وتم توزيعه في المناسبة المذكورة دون أن يعرف أحد أن التقرير صدر من جمعية إنعاش الأسرة، وبالاستعانة بأرشيف الوثائق الذي هو من أفكار العقل الموسوعي لأم خليل.

         لم تكن سلطات الاحتلال تجهل الدور الوطني والقيادي لأم خليل، فبدأت تضغط عليها وتعاقبها منذ السنوات الأولى للاحتلال. واتخذ هذا الضغط وهذا العقاب أشكالاً كثيرة منها: الاعتقال، فرض الإقامة الجبرية، حرمانها من السفر إلى عمان لرؤية أبنائها، استدعاءها للتحقيق من قبل الحاكم العسكري وكبار مساعديه وتهديدها المستمر. وتجاوز هذا الضغط شخصها إلى جمعية إنعاش الأسرة كاقتحام مقراتها، واعتقال  أعضائها وموظفاتها وموظفيها أو التحقيق معهم، ومنع أو تأخير منشورات الجمعية أو حذف ما لا يروق للاحتلال، وما أكثر ما كان لا يروق له من منشورات الجمعية وبخاصة منشورات لجنة التراث الشعبي. ولكن أم خليل ما كانت لتهتز أو لتتراجع أمام كل هذه الإجراءات العقابية أو الضغوط.

          كانت أم خليل تمتلك قدرات كبيرة، فهي مناضلة قيادية مخلصة ذكية صلبة ولبقة. وكانت تستعمل هذه الصفات حسبما يتطلبه الموقف مع العدو أو مع الصديق. أما العدو فهو الاحتلال ومن يدعمه أو يخدمه. وأما الصديق فهو أبناء  الشعب الفلسطيني وبناته، ومن يدعم هذا الشعب ويقف إلى جانبه. والقصص أو المواقف التي توضح هذه الصفات قصص ومواقف وأحداث لا تُعدّ ولا تحصى، كانت تبدو لي في كل يوم تعاملت فيه معها، وفي كل موقف وحدث وكلمة كنت شاهداً عليها. ومن هذه المواقف على سبيل المثال أنه في أثناء إعدادنا لمهرجان العرس الفلسطيني عام 1978، رافقتنا أم خليل إلى حديقة بلدية البيرة، حيث سيقام المهرجان بعد عدة أيام، لتطمئن على كافة الترتيبات والتفاصيل المطلوبة لدخول الجمهور وجلوسهم وعروض الأداء والغناء، ومعرض التراث الشعبي والمضافة وسواها. وفي أثناء وجودنا في الحديقة دخلت مجموعة كبيرة من الضباط والجنود، ولا أعرف إن كان حاكم عسكري رام الله من بينهم أم أنهم من مساعديه. وقال الحاكم العسكري: ماذا تفعلون هنا؟ فأجابت: إننا أخذنا إذناً لإقامة المهرجان. فردّ عليها: إنكم أخذتم إذناً لحفل فولكلوري، ولم تذكري أنه سيقام هنا. وحذّرها من مخالفة الأوامر العسكرية بالتحريض وإثارة المواطنين. فأجابت: إننا سنقوم بحفلة لبيع الفلافل والمنتجات الغذائية، وخيمة تمثل المضافة، وذكرت أشياء من هذا القبيل. وتظاهر بتصديقها، بدليل أنه قبل انتهاء فعاليات المهرجان حوصرت حديقة البلدية من قبل قوات كبيرة من جنود الاحتلال وضباطه. وقد راقبتْ دائرة الحكم العسكري تدفُّق جموع المواطنين قبل الافتتاح بأكثر من ساعتين، وتسلُّق المواطنين الجدران والأشجار المحيطة بالحديقة، وهتافاتهم مع كل فقرة أو مشهد يشيد بالثورة وبالفدائيين وبفلسطين وضدّ الاحتلال وعملائه، وبخاصة أن أم خليل رحبت في كلمة الافتتاح بالضيوف من أبناء شعبنا ومن كافة الفعاليات الوطنية من كل أنحاء فلسطين من رؤساء بلديات ونقابات وصحفيين وقيادات نسائية وسياسية أخرى ممن كانت تحرص على دعوتهم في احتفالات الجمعية ومهرجاناتها. ويبدو أنه قد جُنّ جنون الاحتلال، فهاجم جنوده المواطنين وأخذوا يطلقون النار بكثافة شديدة في أثناء مغادرة المواطنين موقع المهرجان! ولا أعرف عدد الجرحى يومها.   

         في حادثة أخرى، كانت الجمعية تقيم احتفالاً في إحدى قاعات الجمعية بمناسبة عقد مبنى "طفلات الشهداء والمعتقلين" عام 1984. وكان من بين المدعوين عدد من الشخصيات الوطنية من مدينتي رام الله والبيرة من بينهم رئيسا البلديتين. وكانت تتصدر قاعة الاحتفال كعكة كبيرة بشكل العلم الفلسطيني وألوانه. وفجأة اقتحمت قوة من جنود الاحتلال وضباطه وعلى رأسهم الحاكم العسكري لرام الله، قاعة الاحتفال. وفي هذه الأثناء كان السيد إبراهيم الطويل رئيس البلدية آنذاك يلقي كلمته بهذه المناسبة، واستمر الطويل في إلقاء الكلمة. ثم سأل الحاكم العسكري أم خليل عمّا يجري في الجمعية، فقالت له: إنه احتفال داخلي لأعضاء الجمعية وهو غير مخالف لقانون الجمعيات الأردني، ويمكنك أن تجلس وتستمع لما يقوله الخطباء، إننا نحتفل بمناسبة عقد مبنى، وهو من عاداتنا في مدننا وقرانا! فقال لها: إن الجمعية فيها شعارات تحريضية مخالفة للأوامر العسكرية، مثل هذا العلم أمامكم! فقالت: إنه مجرد كعكة للاحتفال! اجلس وترى أننا سنوزع الحلوى بعد نهاية الاحتفال! فقال مستنكراً وجود عدوّه: أأجلس مع هذا؟ [مشيراً إلى الكعكة العلم]، فأخذته أم خليل باللين الذي لم أره من قبل في تعاملها مع  ضباط الاحتلال وجنوده، وقالت: يمكن أن نأخذ (هذا) إلى مكان آخر! لكنه أصدر أمراً بإنهاء الاحتفال خلال 15 دقيقة! وخرج ينتظر انتهاء المهلة. وقالت لي فيما بعد: أنها كانت تخشى أن يوجه لها تهمة لوجود العلم ويأخذ إجراء ما ضدّ الجمعية بينما لم تكن تخشى على نفسها أي إجراء ولذا "أخذته على قدّ خاطره". ولكنه لم ينس هذا الاحتفال إذ سجل لها في ملفها وفي ملف الجمعية كمخالفة للأوامر العسكرية، والتي دفعت هي والجمعية معاً ثمنها بعد ذلك بفترة ليست طويلة.

         ومثل هذه الأحداث وحدها لا تعبر عن شخصيتها الوطنية. لقد كانت تقود المظاهرات والاعتصامات أو تخطط لها وتشارك فيها. وكانت تكتب الخطابات إلى قادة الثورة الفلسطينية تحضهم على الوحدة والتماسك، إذ كان هاجسها المستمر خوفها من التنازع الذي يؤدي إلى الفشل. وكانت تخاطب المرأة الإسرائيلية من خلال الصحف تشرح لها قضيتنا العادلة، وتبعث بالرسائل إلى الجهات الدولية الرسمية والشعبية موضحة موقفنا من هذا الحدث أو ذاك وشارحة مدى الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني. وكانت تخاطب الفلسطينيين في الأرض المحتلة داعية إياهم إلى الوعي بمخططات الاحتلال ووجوب مقاومته، وكانت تخاطب المرأة والطفل والسياسي والعامل والفلاح بنفس النهج الوطني المقاوم للاحتلال وبأساليب مختلفة مطبقة بذكاء وحنكة، المقولة المشهورة "لكل مقام مقال".

         لقد جعلت أم خليل من جمعية إنعاش الأسرة ساحة بناء للفكر الوطني، وللعمل الوطني على حدٍّ سواء، فلم تكن تمرّ مناسبة وطنية أو اجتماعية دون أن تسثمرها الجمعية بصورة   فاعلة سواء لمتدربات الجمعية وطالباتها وموظفاتها، أو للمواطنين المعنيين المدعوين إلى هذا الحفل أو ذاك. ومن هذه المناسبات على سبيل المثال: عيد الأم، عيد المرأة، عيد العمال، ذكرى النكبة، ذكرى هزيمة 67، ذكرى وعد بلفور، تحرير المعتقلات من السجون الإسرائيلية، تخريج المتدربات من أقسام الجمعية، عودة بسام الشكعة وكريم خلف من الخارج بعد علاجهما من تأثير محاولة اغتيالهما، تكريم أعضاء الفرقة الكشفية لشباب البيرة لمساعدتهم في إقامة مهرجانات الجمعية واحتفالاتها، تكريم أعضاء لجنة التراث الشعبي، التضامن مع الأسرى، استقبال وفود محلية ودولية زائرة للجمعية، وسواها الكثير.  

         وأما أبرز ما في شخصيتها الإدارية لجمعية إنعاش الأسرة، فكان حسّها الإنساني الكبير المتمثل في فهم وتطبيق مفهوم "المسؤولية والرعاية" في الإدارة، بدلاً من الثقافة السائدة  في إدارات المؤسسات الرسمية والشعبية العربية، التي ترى في الإدارة سلطة ووجاهة وفرصة لتحقيق المنفعة أو المصلحة. لقد رفضت اقتراحات كثيرة مني ومن غيري بأن يدخل المراجع أو الزائر مكتباً للسكرتيرة قبل الدخول إليها، وأن تمنح السكرتيرة فرصة تقييم ضرورة أو عدم ضرورة مقابلة المراجع لأم خليل التي ينوء دفتر يوميتها ببرنامج عمل ذلك اليوم. وكانت تقول لنا، أنها تحس بالاختناق فيما لو أغلق بابها دون المواطنين الذين يقصدون الجمعية لأي سبب كان، وأنها يمكن أن تكمل العمل في البيت بعد انتهاء دوامها في الجمعية. ولم يكن بابها يغلق أمام الموظفين والموظفات، لا لمناقشة أمور العمل فقط، وإنما للاستماع إلى مشاكلهن الشخصية والعائلية أيضاً. ولم تكن تتردد في الاعتذار لأصغر موظفة في الجمعية إن أحست أنها تضايقت من أم خليل أو من غيرها في الجمعية سواء أكانت الموظفة محقة أو غير محقة في إحساسها. لقد كانت أم خليل معلمة لقيم الكرامة والتسامح والتصافي.

         لقد اختلفتُ مع أم خليل لأسباب إدارية وشخصية تتعلق بلجنة الأبحاث الاجتماعية والتراث الشعبي الفلسطيني، وقدمت استقالتي عام 1986. وحاولتْ جهدها أن أتراجع عن هذه الاستقالة، وكان آخر هذه المحاولات اجتماعي معها برفقة أخي وصديقي عمر حمدان في بيتها لمدة أربع ساعات بناء على طلبها. ولكنني لم أتراجع، ولا أعرف إن كان قراري صحيحاً أو لم يكن. وبعد أربع سنوات هاجرت إلى أميركا بعد أن أحالتني سلطات الاحتلال على التقاعد القسري من سلك التربية والتعليم عام 1987. والمهم أنه في عام 1996 وفي أثناء زيارتي للوطن ذهبت للسلام عليها، فاستقبلتني استقبال الأم لابنها، واحتفلت بي بدعوتي إلى غداء في الجمعية دعت إليها أعضاء اللجنة والهيئة الإدارية للجمعية وضيوفاً آخرين. ورأيتها لآخر مرة في زيارتي للوطن عام 1998 قبل وفاتها بعدة أشهر في مقر الجمعية، ثم في مؤتمر لنصرة العراق المحاصر بعد ذلك، وكانت أم خليل كما عرفتها من قبل، فقد كانت في كلمتها التي ألقتها في المؤتمر حريصة على التماسك والوحدة الداخلية، رافضة للظلم الواقع على الأمة العربية وخصوصاً على شعبي العراق وفلسطين.

          وأعتذر لأنني لا أستطيع أن أفي أم خليل حقها في هذه المقالة كما أوضحت سابقاً، ولكن لا بدّ أن أذكر أنه حينما كان بعض أصدقائي ومعارفي يستغربون هذا التعلق من جانبي بجمعية إنعاش الأسرة سواء بالعمل معها الذي كنت أعطيه أقصى درجات طاقتي، أو في الحديث عنها كنموذج لتجربة وطنية ونسائية فلسطينية رائدة، كنت أجيب بأنني أشعر أنه حينما تعبر قدماي عتبة جمعية إنعاش الأسرة، فإنني أعبر إلى جزء من الوطن قد تحرر من الاحتلال الإسرائيلي، وحينما تقع عيناي على أم خليل فإنني أرى الكبرياء الوطني الفلسطيني ماثلاً في شخص هذه السيدة العظيمة.             



    المشاركة السابقة : المشاركة التالية
    Bookmark and Share
    إضافة تعليق سريع
    كاتب المشاركة :
    الموضوع :
    النص : *
     
    huh  smile 

    طول النص يجب ان يكون
    أقل من : 30000 حرف
    إختبار الطول
    تبقى لك :



    التقويم

    calendar


    القائمة البريدية


    مواقع صديقة

  • منتدى ترمسعيا
  • د.مصلح كناعنة

  • إحصائيات


    مشاركات المقالات: 259
    مشاركات التوقيعات: 0
    مشاركات الردود: 313


    المتواجدون حالياً

    المتواجدون حالياً :2
    عدد الزيارات : 592699
    عدد الزيارات اليوم : 318
    أكثر عدد زيارات كان : 14606
    في تاريخ : 02 /05 /2014


    Copyright© 2009 بإستخدام بوابة أجيال 1.5

    Copyright © 2008-2009 ajyalps.com. All rights reserved